كنت أمشي معك ، و طويت كل شارع كنا نركض فيه سويا، و شربت القهوة في نفس المكان الذي اعتدنا، و ضحكت كما كنا نضحك، و ضربت بإشارات المرور عرض الحائط كما كنا نفعل، بل حلمت بالغد المشرق كما عودتني.. لكن ذلك كله كان ينقصه شيء واحد… أنت حمزة!

اليوم أبكي وحدي.. لأنك – و الفضل لذلك الجندي – ترقد على سرير المشفى

و الـ”برابيش” تقض مضجعك وحدك، لا لأجل جريمة أنت مرتكبها؛ بل لأنك أردت أن تري العالم بأن أولئك الجنود هم مجرمي حرب!

                                                                                            

 

رحلة الموت..

                 

حمزة محمد العطار… ابن العشرون طوقا من ربيع العمر.. ذهب صبيحة الجمعة 3/11/2006 لتغطية حدث جلل.. ما يفوق الستين رجلا كانوا محاصرين بمسجد النصر في مدينة بيت حانون الشهيدة.. و أمهاتنا يتركن غاليا و نفيسا لإنقاذهم، منظر أقل ما يقال عنه أنه “يبكي الميت” فتنهمر دموع البعض لأجله، و آخرون تحتبس داخل أحداقهم و آخرون يمضوا بالقنوات لعلهم يروا ما يسر العين!

و مازال حمزة يقترب من الحدث حتى انطلقت الرصاصة القاتلة محددة وجهتها.. صدر الصحفي “حمزة العطار” ، و هي لا تعلم أنها تخترق صدور عدد من أصدقائه و محبيه و أقاربه بألف من مثلها..

لم يسقط حمزة، بل تابع طريقه صوب سيارة الإسعاف و هو يحمل حقيبته غير آبه بإصابته    - كما عودنا – و من ثم يلقي بنفسه داخل السيارة المتجهة إلى مشفى كمال عدوان بشمال قطاع غزة، ثم مشفى دار الشفاء بمدينة غزة ليتم إنعاش رئته اليمنى التي تعاني ضررا بالغا جراء الإصابة المباشرة.

و تمضي ساعات و من ثم يخرجوا إلينا بـ “تحويلة” ينتقل على إثرها حمزة إلى مشفى “أيخلوف” في تل أبيب، ليعالج من أثر تلك الرصاصة – و لست أشك أن مطلقيها هم أنفسهم من يعالجونه في هذه اللحظات – و لله في خلقه شئون..

 

أنت شريك المؤامرة!

نعم حمزة! أنت شريك المؤامرة! لقد اغتصبت أرضهم و قتلت أطفالهم و لم ترحم شيخا و لا امرأة، اقتلعت الشجر و الحجر و لم تبقي على الأرض يابسا و لا أخضر، رحت تعيث في مزارعهم فسادا، بل و حولت ليل بيت حانون الهادئ إلى جنون القصف و القذائف التي لم تعهد البشرية لها سلطانا، و لنختصر – كما يفعلون ويقولون – ونقول “إرهابي”!.

 

و إذا عرف السبب..بطل العجب!

فلنضع النقط على الحروف، ولنقل أنك آثرت تغطية الحدث و نقله للعالم أجمع و لتصبح الحقيقة واضحة لكل عيان يراها ولكل من حقت عليه كلمة ضمير – و ما أقلهم – و لأنك فلسطيني الروح و العقل و القلب و الهوية؛ لذلك آثروا هم أن يودعوا رصاصة الراحة في صدرك لعلها تريحهم من مشاق تغطية الجريمة الواضحة، و من ثم تريحهم من “مشاوير دبلوماسية” و اعتذارات وهمية و خروج البعض ليقولوا لنا “خطأ فني في منظومة إطلاق القذائف” التي تستقر في صدور أطفالنا و نسائنا و هم نيام، و من ثم يجلس آخرون على مقاعدهم الوثيرة و يقولون “دفاع مشروع عن النفس”!

 

دفاع مشروع عن النفس!

و أي دفاع هذا، الذي يجعل الرصاص الحارق يخترق في بطون أمهاتنا ليغتال أطفالا، كل ذنبهم أنهم ولدوا لآباء جعلوا مفاتيح العودة قرة أعينهم.

دفاع ضد من؟؟!! ضد كل من اختار الموت ألف مرة و مرة على ثرى أرضه ليدفن في جنباتها لا أن يتزحزح عنها شبرا، و ضد كل ما قد يمت لفلسطين أرضا و شعبا و هوية..

 

حمزة.. الطموح

حمزة العطار صغيرا في العمر، كبيرا بآماله وأحلامه، بل أن الحياة لا تعني له شيئا بلا طموح!

فالحياة لديه بحث عن ضائع، لا تجده إلا حينما تبحث عن غيره ، وان كلفك ذلك حياتك.. فلا مانع!، لديه من الطاقة ما لا يستطع بشر تصوره، جل ما يحتاجه.. فنجان قهوة و سيجارة و من ثم عمل و عمل لا يوقفه انقطاع النفس!

لست أدري إن كانت إصابته قد أوقفت عقله عن ذلك العمل، بل أكاد أجزم أن جسمه لم يكد يرقد على سرير المشفى حتى راح عقله يكمل ما لم يستطع جسده فعله.

يوما ما..

في آخر يومي و كعادة لم أعهدها إلا بعد إصابتك، أتخيلك تفتح باب الغرفة – بلا استئذان كعادتك – لتجلس بجانبي، و تحتسي فنجان قهوتك لآخر رشفة و تنفث دخان السجائر في مزاجك المعهود، قد يعتصر قلبك ألما لما تراه من أحداث، لكنك عودتني أن الرجال لا تبكي، و أن غدا أفضل و لو كان أسوء.

يوما ما ستعود إلينا لتجلس بيننا، و نستذكر ما قد حققت و ما لم تحقق، و تسخر من وضعنا المهترئ و تقول “فشلة”، و من ثم تبث فينا أملا و روحا لا يستطع غيرك أن يبثها و تعبث بما لا يقدر أحد على العبث به.

لا يفوتنا..

و في ذلك نتوجه بخالص الدعاء إلى الله أن يرجع إلينا مصابنا في أحسن حال و أسرع وقت   و قد تحولت آلامه قوة و أحزانه فرحا و سرورا.

و لنشد على من كل من دعى له بالعودة سالما، و أقول لهم مزيدا من الدعاء، و مزيدا من التضرع إلى الله، أن يرد لنا حمزة، معافا من كل مكروه ليدب فينا روحا ملؤها الطموح الذي عهدناك به و حبا للقضية التي تتابع الأجيال حمل لوائها.. ولتبقي دائما في قلوبنا وعقولنا.